موقع الدكتور فهد سالم خليل الراشد الإلكترونيموقع الدكتور فهد سالم خليل الراشد الإلكتروني
  موقع الدكتور فهد سالم خليل الراشد الإلكتروني
التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

العودة   موقع الدكتور فهد سالم خليل الراشد الإلكتروني > منتديات الدكتور > د. فهد سالم خليل الراشد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-08-2012, 10:35 PM
د. فهد الراشد د. فهد الراشد غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 456
Arrow الفن القصصي في خمريات أبي نواس

الفن القصصي في خمريات أبي نواس



قال الشاعر أبو نواس:

وخــمارة للهـــو فيــــــها بقيــــــــــة ** إليـها ثـلاثـا نـحـو حـانتـها ســرنا
ولليــل جلـــباب عـــليـــنا وحــولــنا ** فـما أن تـرى إنـس لـديه ولا جــنا
يسـايـرنـا إلا الســـــماء نـجــومـــها ** معلــقة فيــها إلـى حــيث وجـــهنا
إلـى أن طـرقـــــنا بابـها بعـد هـجعة ** فقـالت مـن الطــراق قلـــنا لها إنا
شـباب تعـــــارفــنا بـبابك لـم نكـــــن ** نـروح بمـا رحـنا إليك فأدلجـــــنا
فإن لـــــم تـجيــبينـا تبـــدد شـملــــنا ** وأن تجمعــينا بـالــوداد توصلــــنا
فقــــــالت لـنا أهـلا وسهـلا ومرحبا ** بفتيان صـدق مـا أرى بينهـم أفــنا
فقــــــلـت لـها كـيلا حسـابــا مقـومـا ** دواريق خمر ما نقصــنا ولا زدنا
فجاءت بها كالشمس يحكي شعاعها ** شعاع الثريا في زجـاج لها حســنا
فقــلت لـها مـا الاســم والسعر بيـني ** لنا سعرها كيما نزورك ما عشــنا
فقـالـت لـنا حنـــون اسمي وسعرها ** ثــلاث بتـسع هكـذا غـيركم بعـــنا
ولمـا تـوالى اللــيل أو كــــــاد أقبلت ** إليــــنا بمــــيزان تنقــــدنـا الــوزنا
فقــلت لـها جئـنا وفـي المــال قلــة ** فهل لك في أن تقبلي بعضنا رهــنا
فقالـت لـنا أنت الـرهينـــة فـي يـدي ** متى لم يفوا بالمال خلصتك السجنا
================================================== ====
تحليل وشرح " الفن القصصي "
فهد سالم الراشد
( ورقة عمل مقدمة للدكتورة / نسيمة الغيث – مقرر العصر العباسي - أثناء الدراسة الجامعية 1991)
(1) الحدث المتكامل في القصة " مقدمة , ذروة , نهاية "
*مقدمة : سار أبو نواس مع صحبه على الأقدام من أول الليل إلى خمارة في آخر البلد, لمعاقرة الخمر التي كانت شغله الشاغل , وأثناء سيرهم وصف كيف كانت الليلة مظلمة ,وكأنها جلباب وهو الثوب السميك إذا غطى العين لا ترى شيئا ,فكذلك هذ الليل .فهو مظلم حالك السواد ليس باستطاعتهم أن يروا إنسا ولا جنا لشدة ظلمته ورعبه .وهي دلالة واضحة على أن أبا نواس كان يقامر بحياته من أجل الخمر التي شغف بها . وأن سماء هذه الليلة قد ملئت بالنجوم التي تراها أينما وليت وجهك .
هذه البداية المثيرة تشد انتباه السامع والقارئ إليها, لما يتملكه من شوق لمتابعة الحدث عن كثب . فأبو نواس يصل إلى بغيته وهي الخمارة التي جازف من أجل الوصول إليها, وكيف كان استقبالها لهم بعد أن هجع الناس في بيوتهم عندما طرقوا الباب عليها .
ونتساءل هنا: لماذا قالت من الطراق ولم تقل من الطارق ؟ فكيف عرفت بأنهم أكثر من شخص ؟
أقول : لعلها قد سمعت همسهم , ومن الممكن أن أبا نواس أراد أن يخبرنا بأن الخمر والخمارة من الممنوعات آنذاك. فهم في ربكة وخوف وحركة غير عادية ,وغير مألوفة ,فلم يكن الذهاب إلى خمارة بهذه السهولة .
ويجري حوار به شيء من الخوف ومحاولة الاحتفاظ بهدوء الأعصاب وعدم الربكة من الخمارة . والخمارة لفظة تطلق على من تقدم الخمر ,وكذلك على محل الخمر .
أما من جهة أبي نواس وصحبه الذين أجابوا بلغة الجمع - ولم تتضح الشخصية الرئيسة حتى الآن- فإنهم أجابوا بنفوس منكسرة, تشحذ عطف الخمارة عليهم حتى تطمئن نفسها لهم وتفتح لهم الباب " فقد سرنا من أول الليل, فلا يعقل بأن نعود خائبين دون معاقرة الخمر عندك, فذلك سيشتت ويفرق شملنا, ولم نعد أصدقاء أو أصحاب كما نحن عليه الآن , فيا حبذا قيامك بلم شملنا بعطفك و ودادك حتى تستمر صداقتنا الحميمة" .
وهذه المحاورة :هي محاورة النفس. فهم تجردوا من أنفسهم للدفاع عنها , أي إنهم انفصلوا من شخصياتهم - أو ما يسمى بانفصام الشخصية - وشخصوها أمام الخمارة ,وهي منكسرة تريد من يعطف ويحن عليها ويرأف بها حتى تستمر مجتمعة مع بعضها .
وهذه الصورة المجسدة أمامنا لم تكن جامدة, بل بث فيها أبو نواس الحياة, بحيث جعلها تنبض أمامنا بكل حركاتها وحتى خلجاتها ,لأنه دغدغ بها مشاعرنا وجعلنا نتعلق بهذه الصورة لمعرفة ما يحدث لها بعد ذلك .( وهي لوحة فنية رائعة الجمال والذوق ).
وبعد أن اطمأنت لهم و وصفتهم بصدق القول, فتحت لهم الباب ورحبت بهم .وهنا انفرد أبونواس بالكلام ,ولعل ذلك أول خيط كشف لنا الشخصية الرئيسة في هذه الحكاية, كما أن فيه دلالة أخرى على أن أبا نواس تملكته الخمر حتى أصبح عبدا لها , نستشف ذلك من خلال اطمئنان أبي نواس لقبولهم, وفتح الباب لهم, فقد ضمن المنادمة على الخمر, وهذا واضح من خيطين نلمسهما .
الأول : انفراده بالكلام, أي مخاطبته إياها بالمفرد " فقلت".
الآخر : طلبه الخمر دون أناة ولا تمهيد , بل أنه جمع كل وقت قد يطول في المناقشة في كلمات لا تتجاوز الثلاثة , حيث طلب الخمر " موزونة ومسعرة " على عددهم دون زيادة ولا نقصان , حتى يشرب وهو مرتاح البال ومطمئن .
وبعد أن جاءتهم بالخمر وصف مشيتها والخمر بيدها وكيف كانت هذه الخمر تشع مثل الشمس .
هنا سألها أبو نواس عن اسمها وعن سعر هذه الخمر, حتى إذا استحسنوا السعر أصبحوا من زبائنها طول عمرهم .فأجابته بأن اسمها حنون وسعر هذه الخمر على كل كأس ثلاثة دراهم .
وبعد أن تنادموا على شرب الخمر وتمتعوا بها وبدأ الليل يجر أذياله إيذانا بالذهاب حتى يحل محله الصباح , وهذه دلالة أخرى على طول سهرهم والانغماس في شرب الخمر , جاءت إليهم صاحبة الحانة " الخمارة حنون" لكي تحاسبهم على ما شربوا , وهو حقها المعتاد وسعرها الدائم الذي تبيع به لجميع الزبائن . رد عليها أبو نواس بأنهم لا يملكون سعر جميع ما شربوا, وهذه دلالة أيضا على إفراطهم في الشراب دون وضع اعتبار لما يحملون من نقود تكفي لدفع ثمن هذا الكم الهائل الذي شربوه , وأنهم نسوا أنفسهم وزاد كيلهم, فما الذي يحدث بعد ذلك ؟ كيف تأخذ حقها من هؤلاء السكارى ؟
إلى هنا تنتهي البداية في نظري ونصل إلى مرحلة الذروة وتشابك الأحداث .
• الذروة : الذروة هي "قمة الشيء" وأطلقناها هنا لأنها تشكل قمة الصراع الدائر بين الأطراف المتنازعة .
الطرف الأول : الخمارة .. والطرف الثاني : أبو نواس وصحبه .
فما سبب هذا الصراع ؟ إنه ثمن الخمر التي شربوها عند الخمارة .
ونلاحظ أن أبا نواس زاد في تشابك الأحداث وإثارة الصراع , إذ أنه عرض عليها أن تتخذ أحدهم رهينة لحين استكمل بقية حقها من الدراهم . فبهذا العرض الغريب طلب أبو نواس رهن نفس بشرية مكرمة من أجل شربة خمر . وشاركته الخمارة في إثارة الصراع , إذ طلبت بأن يكون هو الرهينة . ترى ما ردة الفعل عند أبي نواس ؟ هل يوافق أم يرفض ؟ علما بأنه هو صاحب الاقتراح الذي وقع في مصيدته ظاهريا ، فقد يكون أبو نواس راغبا في أن يكون رهينة ليس بالمعنى الحقيقي للرهينة , ولكن لتعلق قلبه بها , فأراد أن يكون أسير هذه المرأة , والسجن ليس بمعناه الحقيقي أيضا , إنما قد يكون هو الانغماس معها باللذات والخمر تسامرهما.فتكون لفظتا "رهينة والسجن" بالمعنى المجازي وليس الحقيقي.
• النهاية : أما نهاية هذا الحدث المتكامل, فهي تكمن في استسلام أبي نواس والرضوخ إلى حكم هذه الخمارة برهنه لديها, ولعل ما يدلك على صحة قولنا الذي ذهبنا إليه بأنه أراد معنى آخر للرهينة وكذلك السجن , إنه لم ينه الحكاية نهاية توضح هل ذهب أصحابه لإحضار المال حتى يفكوا أسره أم هو استحب المكوث مع هذه الخمارة ؟
2- الشخصيات :
* الشخصية الرئيسة : كما وضحت في بداية حديثي ,بأنه لم تتضح الشخصية الرئيسة لأن الحوار كان بلغة الجمع , ولكن بعد أن اطمأنت الخمارة لأبي نواس وصحبه, فتحت لهم الباب, تحدثت شخصية البطل واستقلت أو بالأحرى انفردت بالكلام , وواضح من أوامر هذه الشخصية شخصية أبي نواس, وهي مرتكز القصة ومحورها التي تدور الأحداث حولها, ومن الطبيعي أنها تتمتع بعدة ملامح . من أهمها ( الملامح الاجتماعية , فهي مرآة عاكسة لمجتمع أبي نواس وما يحفل به من حياة لاهية , وملامح نفسية , فإن أبا نواس تغلغل في أغوار النفس البشرية وصور لنا الطباع والهواجس الخفية .
* الشخصية الثانوية : وهي مساندة لشخصية البطل ,وغيابها يؤثر بالشخصية الرئيسة ,ومن الواضح أن الخمارة حنون هي التي مثلت هذه الشخصية ,وقد أجاد أبو نواس رسم ملامحها, وما تحمل من أبعاد اجتماعية ونفسية .
* الشخصية الهامشية : ( لمتابعة سير الحركة ), وهم صحب أبي نواس .
3- عنصرا الزمان والمكان .
* عنصر الزمان : من حيث الزمن التاريخي ,فلاشك أنه في العصر العباسي في القرن الهجري الثالث عشر , وبالطبع قصائد أبي نواس تعتبر وثيقة لما يحمل هذا العصر من حضارة وترف ورقي , كما أنه ينقل لنا بعض الحوادث التي بإمكاننا أن نوثقها .
وبالنسبة للزمن الفني : فإن القصيدة من حيث الحجم أشبه بالقصة القصيرة باختلاف بسيطة في الأسلوب .
ومن حيث الأحداث فقد صاغها بقالب قصصي شعري ممتع ,ابتداء من أول الليل وحتى آخره, فهي لا تتجاوز ليلة واحدة أتحفنا بنسج قصة لطيفة بصياغة شعرية معبرة .
• عنصر المكان : بطبيعة الحال كان أبو نواس وأصحابه في مكان ما, وأرادوا أن يتسامروا في خمارة , انتقلوا من مكانهم على الأقدام إلى مكان الخمارة موقع أحداث القصة , ولم يغفل الشاعر الطريق ,حيث صور ما بها – وصفا جميلا - كما وضحنا سالفا .
حتى وصلوا إلى مكان الخمارة التي دارت بها الأحداث , والمقام هنا مقام خمر ولهو وجاء المقال مطابقا له ,حيث إنه حمل ألفاظا تليق بالمكان .
4- الحوار : أما بالنسبة للحوار, فكان عبارة عن سؤال وجواب , وهذه الطريقة مثيرة طبعا, لأن السامع والقارئ يود أن يعرف إجابة السؤال الذي طرح ,بل ويكون متلهفا على ذلك . وتميز الحوار بالإيجاز والسرعة والمهارة من قبل أبي نواس في الرد على أسئلة الخمارة ,وكان يبادلها سؤالا بسؤال مباشر حتى يقطع عليها الطريق من أن تفكر بسؤال آخر , وكذلك هي لا تقل عنه ذكاء وفطنة , وكان ذلك واضحا من خلال ما تمتعت به من هدوء في طرح الأسئلة والإجابة على الأسئلة المطروحة من أبي نواس ,وكانت تستند على الحجة مثل " هكذا غيركم بعنا ", ولا شك أن الحوار بصفة عامة يحمل شيئا من الإيحاء على نحو ما نرى من استخدام كلمة رهينة بمعنى مجازي على حد ظننا, وكلمة سجن كذلك, إذ كيف باستطاعتها أن تأخذ سكران رهينة؟ وهل تستطيع السيطرة عليه ؟ وكذلك ما علمنا بأنه يوجد سجن في خمارة , إذن هناك نوع من الإيحاء لمعاني أخرى .
والإيحاء من جهة أخرى ينم عن ثقافة الشخصيات وما تتمتع به من قدرة على إدراك الأمور بسرعة, لأن البديهة لدى الشخصية التي تمتلك الإيحاء قوية , وذاكرتها حاضرة , فالشخصية ما هي إلا انطباع ما تمتعت به من رشاقة وسهولة ,
فهي لم تكن سردا وتكرارا مملا , بل كانت موزونة ذات موسيقى , وكذلك ساهم الإيحاء في تصوير طبيعة المكان والزمان, إذ أنه من المعروف "أن لكل مقام مقالا" , فجاءت الألفاظ والمعاني ملائمة للمكان والزمان .
5- الحبكة : الحبكة هي الحدث لهذه القصة من خلال هذه الحبكة نحكم على الحدث بالضعف والتفكك أو بالقوة والسبك الجيد , و واضح أن أبا نواس من البداية كان واضحا وصريحا بأنه مقبل على أمر فيه مغامرة ومجازفة ,فصور لنا كيف تطورت الأحداث شيئا فشيئا بدليل أنه عندما وصف الليل لم يطل الوصف ,وكذلك عندما وصف الخمر بيد حنون لم يطل, فجاءت الأحداث كحلقات السلسلة كل حلقة متعلقة بأختها ومترابطة معها, فكذلك أحداث هذه القصة حدث يجر حدثا حتى وصلنا إلى نهاية المطاف بمفاجأة " الرهينة ". إذن أبو نواس وفق من حيث الحبكة كما وفق في باقي العناصر .
6- اللون والأسلوب : لا يختلف اثنان على أن هذه طريقة جديدة ومبتكرة, ليس من ناحية الفن القصصي. فكلنا يعرف أن كثيرا من القصص الموغلة في القدم كان أصلها شعرا .
ولكن التطورهنا, نسج قصة لطيفة قصيرة وصياغتها في قالب شعري, مما يجعلها تعلق في القلب . فاللون إذن جديد . أما الأسلوب فهو أدبي ,وهو من الفنون الشعرية العربية الأصيلة, وعلى الرغم من أن الشاعر معروف بأنه من غير العرب ,ولكن اللغة العربية احتوته بكل ما تتمتع به من ألفاظ ومعان واشتقاقات ,قلما تجدها في اللغات الأخرى ,وفي رأي الشخصي ساهمت اللغة العربية في إبراز ملكة الشعر لدى أبي نواس, ولو كان يقول الشعر بغير العربية لما اكتسب هذه الشهرة من فصاحة القول وبلاغة البيان .


__________________
د. فهد الراشد
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.